مجمع البحوث الاسلامية

145

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كاهنا ولا مجنونا متلبّسا بنعمة ربّك . ( 2 : 1184 ) نحوه النّسفّيّ . ( 4 : 192 ) أبو حيّان : [ نقل قول الحوفيّ والعكبريّ ثمّ قال : ] وتكون حالا لازمة لا منتقلة ، لأنّه عليه الصّلاة والسّلام ما زال ملتبسا بنعمة ربّه . وقيل : « بنعمت ربك » مقسم بها ، كأنّه قيل : ونعمة ربّك ما أنت كاهن ولا مجنون ، فتوسّط المقسم به بين الاسم والخبر ، كما تقول : ما زيد واللّه بقائم . ( 8 : 151 ) الشّربينيّ : ( ولا مجنون ) أي تقول كلاما لا نظام له مع الإخبار ببعض المغيبات ، فلا يفترك قولهم هذا عن التّذكير ، فإنّه قول باطل لا تلحقك به معرّة أصلا ، وعمّا قليل يكون عيبا لهم ، لا يغسله عنهم إلّا اتّباعهم لك ، فمن اتّبعك منهم غسل عاره ، ومن استمرّ على عناده استمرّ تبابه وخساره . نزلت هذه الآية في الّذين اقتسموا عقاب مكّة ، يرمون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالكهانة والسّحر والجنون والشّعر . ( 4 : 116 ) البروسويّ : ( ولا مجنون ) وهو من به جنون ، وهو زوال العقل أو فساده . [ إلى أن قال : ] وفي « التّأويلات النّجميّة » يشير إلى أنّ طبيعة الإنسان متنفّرة من حقيقة الدّين ، مجبولة على حبّ الدّنيا وزينتها وشهواتها وزخارفها . والجوهر الرّوحانيّ الّذي جبل على فطرة الإسلام في الإنسان مودع بالقوّة كالجوهر في المعدن ، فلا يستخرج إلى الفعل إلّا بجهد جهيد وسعي تامّ على قانون الشّريعة ، ومتابعة النّبيّ عليه السّلام وإرشاده ، وبعده بإرشاد ورثة علمه وهم العلماء الرّبّانيّون الرّاسخون في العلم من المشايخ المسلكين ، وفي زمان كلّ واحد منهم والخلق - مع دعوى إسلامهم - ينكرون على سيرهم في الأغلب ، ويستبعدون ترك الدّنيا والعزلة والانقطاع عن الخلق ، والتّبتّل إلى اللّه وطلب الحقّ ، إلّا من كتب اللّه في قلوبهم الإيمان ، وأيّدهم بروح منه وهو الصّدق في الطّلب ، وحسن الإرادة المنتجة من بذر « يحبّهم ويحبّونه » وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء . وإلّا فمن خصوصيّة طبيعة الإنسان أن يمرق من الدّين كما يمرق السّهم من الرّمية وإن كانوا يصلّون ويصومون ويزعمون أنّهم مسلمون ، ولكن بالتّقليد لا بالتّحقيق ، اللّهمّ إلّا من شرح اللّه صدره للإسلام ، فهو على نور من ربّه ، انتهى . ( 9 : 199 ) الآلوسيّ : واختلف في باء ( بنعمت ) فقال أبو البقاء : للملابسة ، والجارّ والمجرور في موضع الحال ، والعامل فيه ( كاهن أو مجنون ) والتّقدير : ما أنت كاهن ولا مجنون ملتبسا بنعمة ربّك . وهي حال لازمة ، لأنّه عليه الصّلاة والسّلام ما زال ملتبسا بنعمة ربّه عزّ وجلّ . وقيل : للقسم ، فنعمة ربّك مقسم به ، وجواب القسم ما علم من الكلام ، وهو : ما أنت بكاهن ولا مجنون ، وهذا كما تقول : ما زيد واللّه بقائم . وهو بعيد ، والأقرب عندي أنّ الباء للسّببيّة وهو متعلّق بمضمون الكلام ، والمعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة اللّه تعالى عليك ، وهذا كما تقول : ما أنا معسر بحمد اللّه تعالى وإغنائه . والمراد الرّدّ على قائل ذلك ، وإبطال مقالتهم فيه عليه الصّلاة والسّلام ، وإلّا فلا